محمد بن جرير الطبري

277

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بقرة من البقر إذ أمروا بذبحها بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فذبحوها كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدين وللحق مطيعين ، إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع ، وسن دون سن ورأوا مع ذلك أنهم إذا سألوا موسى عن سنها ، فأحبرهم عنها وحصرهم منها على سن دون سن ، ونوع دون نوع ، وخص من جميع أنواع البقر نوعا منها ، كانوا في مسألتهم إياه في المسألة الثانية بعد الذي خص لهم من أنواع البقر من الخطأ على مثل الذي كانوا عليه من الخطأ في مسألتهم إياه المسألة الأَولى . وكذلك رأوا أنهم في المسألة الثالثة على مثل الذي كانوا عليه من ذلك في الأَولى والثانية ، وأن اللازم كان لهم في الحالة الأَولى استعمال ظاهر الأَمر وذبح أي بهيمة شاءوا مما وقع عليها اسم بقرة . وكذلك رأوا أن اللازم كان لهم في الحال الثانية استعمال ظاهر الأَمر ، وذبح أي بهيمة شاءوا مما وقع عليها اسم بقرة عوان لا فارض ولا بكر . ولم يروا أن حكمهم إذ خص لهم بعض البقر دون البعض في الحالة الثانية انتقل عن اللازم الذي كان لهم في الحالة الأَولى من استعمال ظاهر الأَمر إلى الخصوص ، ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك مع الرواية التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافقة لقولهم دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص ، وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه فيما أمر ونهى على العموم ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له ، وأنه إذا خص منه شيء فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر ، وسائر حكم الآية على ظاهرها العام ، ويؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك ، وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه . وقد زعم بعض من عظمت جهالته واشتدت حيرته ، أن القوم إنما سألوا موسى ما سألوا بعد أمر الله إياهم بذبح بقرة من البقر ؛ لأَنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها خصت بذلك ، كما خصت عصا موسى في معناها ، فسألوه أن يحليها لهم ليعرفوها . ولو كان الجاهل تدبر قوله هذا ، لسهل عليه ما استصعب من القول ؛ وذلك أنه استعظم من القوم مسألتهم نبيهم ما سألوه تشددا منهم في دينهم ، ثم أضاف إليهم من الأَمر ما هو أعظم مما استنكره أن يكون كان منهم ، فزعم أنهم كانوا يرون أنه جائز أن يفرض الله عليهم فرضا ويتعبدهم بعبادة ، ثم لا يبين لهم ما يفرض عليهم ويتعبدهم به حتى يسألوا بيان ذلك لهم . فأضاف إلى الله تعالى ذكره ما لا يجوز إضافته إليه ، ونسب القوم من الجهل إلى ما لا ينسب المجانين إليه ، فزعم أنهم كانوا يسألون ربهم أن يفرض عليهم الفرائض . فنعوذ بالله من الحيرة ، ونسأله التوفيق والهداية . وأما قوله : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا فإن البقر جماع بقرة . وقد قرأ بعضهم : " إن الباقر " وذلك وإن كان في الكلام جائزا لمجيئه في كلام العرب وأشعارها ، كما قال ميمون بن قيس : وما ذنبه إن عافت الماء باقر * وما إن يعاف الماء إلا ليضربا وكما قال أمية : ويسوقون باقر الطود للسه * ل مهازيل خشية أن تبورا فغير جائزة القراءة به لمخالفته القراءة الجائية مجيء الحجة بنقل من لا يجوز عليه فما نقلوه مجمعين عليه الخطأ والسهو والكذب . وأما تأويل : تَشابَهَ عَلَيْنا فإنه يعني به : التبس علينا . والقراء مختلفة